الصالحي الشامي

333

سبل الهدى والرشاد

ضمير الأمر والحديث ، فكأنه قال : إن الحديث من كل ما يخلق الله يختار ، فالأعمال إذا كلها من خلق الله ، قد اختار منها ما شاء قال سبحانه : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ) . وقوله : " قد سماه الله خيرته من الأعمال " ، يعني الذكر وتلاوة القرآن ( لقوله سبحانه : " ويختار " فقد اختاره من الأعمال ) . وقوله : " والمصطفى من عباده " : أي سمى المصطفى من عباده بقوله تعالى : ( الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس ) ( الحج 75 ) ويجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده أي العمل الذي اصطفاه منهم واختاره من أعمالهم ، فلا تكون " من " على هذا للتبعيض ، إنما تكون لابتداء الغاية ، لأنه عمل استخرجه منهم لتوفيقه إياهم ، والتأويل الأول أقرب مأخذا . والله أعلم بما أراد رسوله " . وقوله في أول الخطبة : " إن الحمد لله أحمده " ، هكذا برفع الدال ( من قوله : الحمد لله ) ( 4 ) وجدته مقيدا مصححا عليه ، وإعرابه ليس على الحكاية ، ولكن على إضمار الأمر ، كأنه قال : " إن الأمر الذي أذكره " ، حذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدم شيئا في اللفظ من الأسماء على قوله : " الحمد لله " . وليس تقديم " أن " في اللفظ من باب تقديم الأسماء لأنها حرف مؤكد لما بعده مع ما في اللفظ من التحري للفظ القرآن والتيمن به والله أعلم . الثاني : اختلف في تسمية اليوم بذلك ، مع أنه كان اتفاقا يسمى في الجاهلية : " العروبة " - بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة - قلت : قال أبو جعفر النحاس في كتابه : " صناعة الكتابة " : لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام إلا شاذا ، ومعناه اليوم المبين المعظم من أعرب إذا بين . فقيل : سمي بذلك لأن الخلائق جمعت فيه ، ذكره أبو حذيفة البخاري في المبتدا عن ابن عباس ، وإسناده ضعيف ، وقيل : لأن خلق آدم جمع فيه . وروى الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن أبي حاتم عن سلمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدري ما يوم الجمعة ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ، قالها ثلاث مرات . قال في الثالثة : " هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم " . الحديث ، وله شاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه ، رواه ابن أبي حاتم بإسناد قوى ، والإمام أحمد مرفوعا بإسناد ضعيف ، قال الحافظ : " وهذا أصح . ويليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن سيرين بسند صحيح إليه ، في قصة تجميع الأنصار ، مع أسعد بن زرارة . وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة ، صلى بهم فيه وذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه " . وقيل : " سمي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه " . وبهذا جزم ابن حزم فقال : إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية وإنما كان يسمى العروبة . وفيه نظر ، فقد قال أهل اللغة : إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية ، وقالوا : الجمعة هو يوم العروبة . والظاهر أنهم غيروا الأيام السبعة بعد أن كانت : أول وأهون وجبار ودبار ومؤنس وعروبة وشيار .